حسن حنفي
373
من العقيدة إلى الثورة
وهنا لا يكون الكم هو المقياس بل يضاف إليه الكيف . وكم من مرة انهار كم أمام كيف . كل ذلك تحليل للإرادة الانسانية ووصف لمضمونها وتحققها في أفعال . ويستطيع الانسان أن يعلم ذلك بتحليل شعوره ورؤية ما يدور في باطنه واستقرار مسار التاريخ ومعرفة قوانين تطور المجتمعات البشرية . فإذا أخذ الانسان هذا الموقف الانساني بدافع من الأمانة الفكرية والتواضع العلمي ، والعلم بمصادر معرفته وبعمليات الشعور لم ير الا حريته من خلال وصفه لشعوره وأفعاله ، ولم يقع في تشخيص عوامل موجودة بالفعل كالعقبات أو ظهور قوى مؤيدة لم تكن في الحسبان نتيجة لطهارة الوعي ، ونقاء الضمير ، وصفاء النفس ، وكمال الغاية . ولم ير الا الحرية من خلاله ، ولم يشخص إرادة خارجية مطلقة تقف له بالمرصاد . وذلك لا يتم الا من نقصان في الوعي وسيادة الانفعال على العقل ، والاحساس بالضعف أمام العقبات فيشخصها إلى إرادة أقوى منه مضادة له أو إلى مصدر قوة أخرى يأخذها في صفه ويستمد منها قوته ويعوض فيها عجزه ، يتعبدها ويتقرب إليها ويتزلف لها ويرضيها إلى حد النفاق ببناء البيوت كما يفعل لاميره أو لأسرته أو لحبيبته . صحيح أن الوحي المتضمن في الكتاب أخبر عن قدرة مطلقة وإرادة شاملة تعم كل شيء كصفة ولكن هذه القدرة ضمن وظيفة التوحيد العامة ، وهي احساس الانسان بأنه في عالم واحد يشمله قانون واحد . ومهمة الانسان في معرفة هذا القانون وتحقيق فعله طبقا لمساره وليس مضادا له لأنه هو طبيعة الأشياء . بل إن إرادة الانسان ، بنص الوحي ، هي الموجهة والمحققة للإرادة الشاملة . وتنشأ الحركة في هذه الإرادة الخارجية بفعل الانسان الّذي يفعل فيها بفعله . يفعل الانسان الخير ثم يعطى الجزاء . ولا جزاء قبل فعل الانسان للخير . ويفعل الانسان الشر وينال العقاب ، ولا عقاب قبل فعل الانسان للشر . ويستغفر الانسان وينال المغفرة ولا مغفرة قبل أن يستغفر الانسان . ويتوب الانسان فينال التوبة ، ولا توبة قبل أن يتوب الانسان . ويمكن أن يقال نفسي الشيء على مستوى الانفعال لا على مستوى الفعل فحسب . فإذا فعل الانسان الخير حدث